• ×

الجمعة 23 يونيو 2017 اخر تحديث : 05-21-2016

إمامنا .. إذا سلمت فكل الناس قد سلموا

 2  0  4416
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما أسْدَى من النِّعم، وكشف عن ملِيكنا من ألم، وشفى مِن سَقم، فوافانا السّرور وعَم، واستعلن فينا الحُبور وأم، وأصَلِّي وأسلم على نبيّنا محمد، المبعوث بالدِّين القِيَم، وعلى آله وصحبه البالغين بِشُمِّ الهمم ذُرَا القمم، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد:
فلكم يبعث على الحمد والثناء، والشّكر للمنعم المتفضل ـ سبحانه ـ ما تعيشه بلاد الحرمين الشريفين في هذه الآونة من النّعم الباهرة، والمِنن المتظاهرة، وإنها لمناسبة سعيدةٌ غرَّاء، مِن غُرَرِ التاريخ، وشيات الزَّمان المُطرَّزة بلآلئ الحُبور والجمال، ولجُين الابتهاج والاستبشار.
إنها مناسبة شفاء خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ورعاه، ومن كل مُلِمٍّ حَمَاه ووقاه-، مناسبة زهراء، التأمت بشخصيّةٍ فذّة رائدة، استثنائية قائدة، قد وشَّاها الباري - بمنهِّ ولطفه- بُرودَ الصحة الضّافية، وأفواف السّلامة والعافية، فغدَت آثار ما ألم بها طامسة عافية.
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم وزال عنك إلى أعـدائك الألم
وما أخصّك في بُرئٍ بتهنئةٍ إذا سلمت فكل الناس قد سلموا
نعم هي مناسبة عودة الأب الحاني من خارج الوطن، إلى رعيّته وبنيه، وشعبه وذويه، بعد ترقّب لهيف، وتشوُّقٍ أرِق، وتضرُّع منيب للرحمن أن يشفيه ويعافيه، وقد حقَّق الله وعده، وشفى عبده، فعاد الغِمْدُ إلى قِرابه، والليث إلى غابه؛ ليواصل مسيرة الطموحات، والإبداعات، والإنجازات.
فها هي بلاد الحرمين الشريفين الأمّة الماجدة الوديعة، المتراصّة المطيعة، تعبِّر ـ في سعادة الفائز، وجَذَل المنتصرـ عن مُفعمِ حبّها وولائها، وبالغ رجائها، وصادق انتمائها لهذا الكيان الشامخ، والإمام الهمام، بحمدٍ متناهٍ
لا ينقطع، وعواطف متأجِّجة عن التجِلَّة لا تنقشع، إنهم يتناجون في شفاء مليكهم بلحظ الشوق والوداد، ويتقارضون التهاني بلفظ الروح والفؤاد.
وكيف لا تهفو نفوسهم إلى مناط إبائهم وتشتاق، وتسيل دموعُ مسرتهم لإبلاله- من المآق، وتتصعّد جذلى نجاوى الإجلال من الأعماق، بل كيف لا تتعطّر الفضاءات بالشكر للمنان سبحانه- وتتأرّج، وتزدان المحافظات والمدن وتتضرّج !!؟ ألا ليت شعري كيف وكيف؟!! وهو خادم الحرمين الشريفين الموفق بتوفيق الله سبحانه- الذي حُمِدَت في الأقطار مناقبه وآثاره، وسارت في الآفاق حكمته وسياسته وأخباره، وبفائق تأتّيه للمعضلات والحازبات إيرَادُه وإصدراه.
إنَّ شفاء الملك المرموق، خادم الحرمين الشريفين الموموق، وقدومه موفور الصِّحة، سعيد البال، منعَّم الحال، خَلَعَ على مملكتنا الشّمَّاء: أرْضًا وزمانا، مكانا وإنسانا، مزيدَ الوضاءة والمسَرَّة، ورَوْنق الرِّضا والسَّعادة، فلا ترى إلاّ القلوب تدفَّقت فيها ينابيع الغِبطة والسرور، ولا ترى إلا القسمات الباسمات، نضَّرها الأمل المشرِق الزَّاهر، والسّعد الفَيْنان الرَّغيد، في مناسبة من جلالها غَدَت كالعيد، فلله إنه لشفاءٌ ماكان أروعه، بالحمد والسرور ما أضوعه... ها هي الرّعية: المواطنون والمقيمون، وكذا المجتمعات الشقيقة، والصديقة، يعبِّرون عن حُبهم الجيّاش، ومشاعرهم الصادقة الهادرة، إزاء هذا الإبلال، وحيال العود الحميد للوطن والأهل: الأهل الذين محضوا والدهم حياتهم- التواشج الوثيق والوُدَّ والصفاء، وما اختلج في أفئدتهم، من غامر السّمع والتقدير، والطاعةوالتوقير.
أخي القارئ الكريم: ولئن سَبَرْنا كُنْه هذا التبجيل المتألق، الذي نحلته الرعية إمامها الإنسان، لَرَبى عن كونه من قبيل المقارضة والمشاكلة وذلك قطعًا كريمٌ محمود-، ولَعَلِمنا أنه من قبيل القَبول الذي يضعه الله ـ تبارك وتعالى ـ لمن شاء من عباده الصادقين، ودليله قوله :"إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض"، أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث الذي أخرجه ~ والذي يقول فيه الرسول :"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم".
ومن كرائم المِنن في ذلك الاجتباء، أن وشّاه المولى عزَّ وجلَّ- بخصائص الملك، ومميزات الحُكم، ما يَنُوء بها أُلُو العبقرية والنبوغ من الساسة، فهو ملك في تطبيقه شرع الله وامتثال أوامره سبحانه-، ملك في همّته وطموحه، ملك في رحمته وإنسانيته وأخلاقه، مَلِك في حزمه وعزمه، إنه مَلِك في أسْنى وَصْف، وأَكْرم رَصْف.
ولا غرو فهو سليل:
أولائك قوم إن بنوا أحسنوا البناء وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا
ومِن غُرر تلك المكارم والخِلال، جوده بالخير والنوال، قبل التطلُّع والسؤال، لكافّة أقطار المعمورة، ممن ابتُلوا بالعَوَز والضرّاء، أو مسّتهم الكوارث واللأواء، وكفى دَليلاً ناطقًا وشاهدا: مؤسَّسَاته العالمية والمحلية الخيرية كتب الله له عظيم أجرها- بشتى روافدها العلمية والدعوية والإنسانية، والإغاثية، والاجتماعية، والاقتصادية، التي نثرها كالدُّرَرِ اللاّمعة على وجه البسيطة، بين عباد الله وخلقه، أنَّى كانوا، وأنى باتوا. ومَأْتى ذلك وباعثه: نفسه الرَّحيمة المشفقة، وجِبلَّته الهتّانة المُغْدِقة، المقتدية بقول الحقِّ جلَّ ثناؤه-:﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، كل ذلك ابتغاء مرضاة الله ورحمته سبحانه.
القاريء العزيز: ومن المناقب الخوالد، لملكنا المحبوب التي دبَّجتها أنامل التاريخ والحضارة، مبادرة الحوار بين المجتمعات والأمم، ليعيش العالم في رحاب المحبة والسلام، والإنسانية والوئام، وتقارض المصالح والاحترام، في مَنْأً عن الاضغان والاحتراب، والغطرسة والاضطراب التي عصفت بروابط الشعوب، ودقّت بينهم عِطر مَنْشَم،وأصبحوا نهبة التربص والكيد، والبطش والحيف، إلى أن قَيَّض الله خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، فنَهْنَه مِن غُلَوَاء هذا الزَّخَّار، وسَعَى لإخماد ذيَّاك الأوار، باذلا في ذلك خُلاصة روحه وفكره، ونفيس وقته وجُهْده، بل سخيَّ النَّشب والنُّضار، محتسبًا على المولى سبحانه- المثوبة والمن، مُتَجرِّدًا عن مرتخص السُّمعة والمَنَّ.جعل الله ذلك في موازين حسناته، ورفعة درجاته، آمين.
ولتلك المبادَرة الفذّة مضامين سنية، ومقاصد علية منها: بيان محاسن الدِّين الحنيف، وجمالياته المشرقة. والذَّبُّ عن الإسلام والمسلمين، ودفع الافتراءات المغرضة عنهم، والأقاويل الحاقدة حولهم، من كون الإسلام: صانع الإرهاب والإرعاب، وبؤرة التطرُّف والقسوة، وما هو لو أنْصفوا- إلا رحمة للعالمين وضِياء، ونِعمة شاملة وإخاء.
وفي ضوء الخصائص الفريدة لمليكنا المبارك، انعقدت الشهادات العالمية، قاصيها ودانيها، على قوة تأثير الملك زاده الله توفيقًا- في صناعة القرارات الحاسمة، ساعة الأزمات والشدائد، وانْبِهام مناجحها ورواجحها، وتَوَعُّر مسالك الرُّشْد فيها، وكونه ثالث شخصيّة مرموقة في العالم. ولكن حقيقة الأمر وفصُّه، ومتنه ونصُّه: هو أوَّل وأعظم شخصية عالمية، لا ثالثها، لأنّه يَسُوسُ رعيَّته بأعظم كتاب أنزل للناس أجمعين، كتاب ربِّ العالمين،وسنة إمام المرسلين، عليه أفضل الصلاة والتسليم، اللذينِ عمَّ نورهما العالم أجمع. وهاهو منهجه السياسي الرائد، الدَّارج وفق الهديين العظيمين، المضمَّخ بالحنكة والثقة، والأناة والزَّكانة، ينطلق بِشعبه العتيد، ومملكته الشماء، صَوْب المستقبل الثابت الدعائم، والعزِّ الشامخ الذُّرا، شطْر الرخاء المترامي الأطراف، والمكانة المهابة بين شوامخ الأمم، يؤيده في مسيرته الميمونة، أخواه الماجدان الحكيمان: صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز: ولي عهده الأمين، وصاحب السمو الملكي النائب الثاني: الأمير نايف بن عبد العزيز
ـ زادهم الله هدى وسدادا ـ وذلك الجلال في الخلال، لملك الوسطية والاعتدال، هو امتداد مبرور، لما كان عليه آباؤه الأكارم الصيد، وسلفه من إخوانه الميامين ـ رحمات الله عليهم أجمعين ـ مِن رفْع لواء الشريعة،والذبِّ عن حماها، ومعاضدة المسلمين، ونصرة قضاياهم والدفاع عنهم في شتى أصقاع الأرض.
من أهل بيت برى ذو العرش فضلهم يبنى لهم في جنان الخلد مرتفق
كـأن آخـرهم في الجـود أولهـم إن الشـمائل والأخلاق تتفق
أخي القارئ المبارك: وبهذه المسيرة المجيدة في الأمة،والريادة في القيادة، حَظي أبناء المملكة العربية السعودية، [وإخوانهم المقيمون على ثراها الأفيح،] من جهد المليك وغاية اهتمامه ومحبته، فائق السهر والرعاية، كلُّ ذلك لبنائهم فكريا وثقافيا، وروحيا، ونفسيا، واجتماعيا، والسّمو بهم إلى مدارات العلياء، حتى غدوا في رياض الأمن وادعين، وفي علياء الحضارة والسؤدد راتعين. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فياخادم الحرمين الشريفين، مليكنا الأغر الأمجد:
لَنِعْم الإمام العادل أنت... ولَنِعم الوالد البَرُّ العطوف أنت... ولَنِعم رجل الاستثناء والعصر أنت... ولَنِعم صوت الحكمة والعقل أنت...
دُمْتَ مكلوءًا بعين الله ورعايته، ومحفوفًا بلطف الله وعنايته، وجزاك الله عن الإسلام والمسلمين، خير الجزاء وأكرم العطاء، وعن خدمة الحرمين الشريفين أعظم المثوبة والمنَّة، وعن رعيتك وأمَّتك أعلى درجات الجنة،آمين.
ألا حمدا لله حمدا، على شفائكم حمدا، حمدا لاينقطع مدده، ولا يُحصى عدده، وشكرا لله شكرا، أن متعنا بعودتك رافلاً في ثياب الصحة الضافية، وحلل السلامة والعافية، شكرًا لايزال ينمو ويتعدَّد، ويزكو ويتجدَّد.
تلك مشاعر حُبٍّ وفخر واعتزاز، حيال وليِّ أمرنا، هذه الشخصية الشمولية المباركة، التي لا يوفي حقها إلا المطولات من الأسفار، سائلاً المولى تبارك وتعالى أن يحفظ على بلادنا عقيدتها وقيادتها، وأمنها ورخاءها، وترابطها وإخاءها، وأن يحفظ بلاد المسلمين من القلاقل والفتن والبلايا والإحن، وأن يعزَّ الإسلام والمسلمين في كل مكان.
هذا، وصلَّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


كتبه:
أ.د. عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس
إمام وخطيب المسجد الحرام
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 05:22 مساءً الجمعة 23 يونيو 2017.